أخبار عاجلة
الرئيسية » أخبار دولية » “التكييف القانوني للجرائم زمن الجوائح” بقلم الدّكتورة أمينة رضوان  باحثة في العلوم القانونية
WhatsApp Image 2020-05-15 at 22.11.35

“التكييف القانوني للجرائم زمن الجوائح” بقلم الدّكتورة أمينة رضوان  باحثة في العلوم القانونية

 

ظلّت الجريمة في جميع المجتمعات أفعال محرّمة أخلاقيا و قانونيا ، و هي تعتبر من النّاحية القانونيّة أعمال غير مشروعة ناتجة عن إرادة جنائيّة يقرر لها القانون عقوبات منصوص عليها بمقتضى النصوص الجنائية. وفي بعض الأوقات و الأزمنة يقرر لها القانون عقوبات أعلى من تلك التي تكون مقررة لها في الأوقات العادية. فالعقوبة المحددة للجريمة الواحدة تختلف بين الزمن الصحي  و زمن الكارثة، على اعتبار أن الزمن الأخير تشكل فيه الجريمة فعلا أكثر شناعة، لهذا رفع  المشرع من العقوبة – في مختلف الدول- عند  إتيان الجرائم في زمن الكوارث.

وهذا ما قرره المشرع الجنائي المغربي عندما قرر رفع عقوبة السرقة من خمس سنوات إلى عشر سنوات وقت الكارثة، مقرا بذلك انتقال وصف هذا الفعل الجرمي من جنحة الى جناية، جاء في الفصل 510 من ق . ج  أنه ” يعاقب على السرقة بالسجن من خمس إلى عشر سنوات إذا اقترنت بواحد من الظروف الاتية : -ارتكاب السرقة في أوقات الحريق أو الانفجار أو الانهدام أو الفيضان أو الغرق أو الثورة أو التمرد أو أية كارثة أخرى” باعتبار أن الكارثة هي اضطراب خطير يحدث خلال فترة قصيرة نسبيًا يتسبب في خسائر بشرية ومادية واقتصادية وبيئية واسعة النطاق، والتي تتجاوز قدرة المجتمع على التغلب عليها باستخدام موارده الخاصة. وفي الأوساط الأكاديمية المعاصرة يُنظر إلى الكوارث على أنها نتيجة للمخاطر المُدارة بشكل غير مناسب، هذه المخاطر هي نتاج مزيج من المخاطر وقابلية التأثر، المخاطر التي تصيب المناطق ذات التأثر المنخفض لن تتحول أبدًا إلى كوارث، كما هو الحال في المناطق غير المأهولة (1) . ويمكن تعريف الكارثة الطبيعية بأنها كل حدث مفاجئ يسبب إما تعطيل أو وقف السير العادي للحياة داخل كل مجتمع . تنتج عنه خسائر بشرية، أو مادية، أو بيئية، أو اقتصادية؛ بغض النظر عن طبيعتها كانت جيوفيزيائية: كالزلازل، والتسونامي، أو مناخية : كالحرائق، والجفاف، والأعاصير، أو بيولوجية: كالأمراض، والأوبئة(2). وقد عرفتها المادة الثالثة من الظهير الشريف رقم 1.16.152 الصادر بتاريخ 21 من ذي القعدة 1437(25 أغسطس 2016) بتنفيذ القانون رقم 110.4 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية و بتغيير و تتميم القانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات (3) .

بأنها كل حادث تنجم عنه أضرار مباشرة في المغرب، يرجع السبب الحاسم فيه إلى فعل القوة غير العادية لعامل طبيعي أو إلى الفعل العنيف للإنسان. ويشكل عامل القوة غير العادية لعامل طبيعي واقعة كارثية إذا تبين توفره على المواصفات التالية: أن تتوفر في وقوع الحادث المسبب له شرط الفجائية أو عدم إمكانية التوقع، و في حالة إمكانية توقع الحادث  يشترط أن لا تمكن التدابير الاعتيادية المتخذة من تفادي هذا الحادث أو تعذر اتخاذ التدابير التالية: – أن تشكل آثاره المدمرة خطورة شديدة بالنسبة للعموم. يعتبر الفعل العنيف للإنسان واقعة كارثية إذا كان: يشكل فعلا إرهابيا أو نتيجة مباشرة لوقوع فتن أو اضطرابات شعبية عندما تشكل آثارها خطورة شديدة بالنسبة للعموم، وتعد في حكم الأضرار الناجمة عن الواقعة الكارثية الأضرار المترتبة مباشرة على أعمال و تدابير الاغاثة و إنقاذ و استتباب الأمن إذا كانت هذه الأعمال و التدابير مرتبطة بهذه الواقعة.

وانطلاقا من ذلك صدر الحكم الابتدائي الصادر عن المحكمة الابتدائية بالقنيطرة بتاريخ 09 أبريل 2020  في الملف الجنحي عدد 495/2103/2020، الذي اعتبر أن السرقة في زمن كورونا تعتبر جناية ما دام أن هذه الجريمة ارتكبت في حالة الطوارئ الصحية التي تمر منها البلاد و هو ما يعد في نظر القانون الجنائي كارثة.  جاء في الحكم : ” ومن جهة ثانية قد ارتكبت السرقة أثناء حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها من طرف حكومة المملكة بمقتضى المرسوم عدد 2.20.293 تطبيقا للمرسوم بقانون عدد 2.20.292، والناتجة عن التهديد العام لحياة الأشخاص وسلامتهم جراء انتشار جائحة فيروس كورونا، وهو ما يعد في نظر المحكمة كارثة بمفهوم الفصل 510 أعلاه، وذلك بالنظر لما أحدثه انتشار هذا الفيروس في نفوس المواطنين من هلع واضطراب يعجز معهما عليهم حماية ممتلكاتهم، خصوصا أمام إلزامهم قانونا، وفق المادة الثانية من ذات المرسوم التطبيقي، بمنع مغادرة محل سكناهم إلا في حالة الضرورة القصوى وبشروط ضيقة ومحصورة تحت طائلة العقاب الجنائي”.

وقد تعالت أقلام العديد من الباحثين المغاربة بين مؤيد و معارض للاتجاه الذي سلكه هذا الحكم القضائي. و نحن نرى أن الحكم في تعليله صادف الصواب، على اعتبار أن النص الجنائي في المادة 510 منه يتحدث عن رفع العقوبة في جريمة السرقة أيام الكوارث، و أن وباء كورونا كوفيد 19 يدخل ضمن هذه الزمرة، على اعتبار انه باعتراف منظمة الصحة العالمية يعتبر “جائحة” (4)  لكونه يضم  مجموعة كبيرة من الفيروسات التي تسبب اعتلالات تتنوع بين الزكام وأمراض أكثر وخامة، مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS-CoV)، ومتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس) (SARS-CoV). ويُمثِّل فيروس كورونا المستجد (nCoV) سلالة جديدة لم يسبق تحديدها لدى البشر من قبل (5) . فالجائحة هي وباء ينتشر على نطاق شديد الاتساع يتجاوز الحدود الدوليَة، مؤثرًا -كالمعتاد- على عدد كبير من الأفراد. و الجوائح تؤثر على البيئة والكائنات الزراعية من ماشية ومحاصيل زراعية والأسماك والأشجار وغير ذلك(6) (7) . و بالتالي فبمقاربة مصطلحي الكارثة و الجائحة نستشف أن الجائحة أخطر من الكارثة من حيث مداها و خطورة آثارها،  و بهذا ينطبق النص الجنائي الذي يرفع من عقوبة السرقة في زمن الكارثة على جائحة كورونا كوفيد 19 باعتبارها أن الجوائح أعم و أشمل نطاقا و خطورة من الكوارث.

الهوامش:

(1)

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AB%D8%A9

(2) https://mawdoo3.com/%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85_%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AB%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%A9

(3) منشور بالجريدة الرسمية ع 20.6502 من ذي الحجة 1437 (22 سبتمبر 2016)، و يهدف القانون رقم 110.4 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية إلى إحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية و ذلك بقصد تعويض ضحايا هذه الوقائع (المادة الأولى من القانون).

(4) http://www9.who.int/csr/disease/ar/

(5) http://www.emro.who.int/ar/health-topics/corona-virus/about-covid-19.html

(6) https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%AD%D8%A9

(7) وفي الاصطلاح الفقهي  عرفه ابن عرفة الجائحة  بأنها “ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرا من ثمر أو نبات بعد بيعه” حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني لعلي الصعيدي العدوي ج 2 ص 281/ شرح الزرقاني ج 3 ص 340.

و عرفها أبو الحسن الشاذلي المالكي و النفراوي بأنها “هي ما لا يستطاع دفعه كالبرد والريح و الحشيش”   كفاية الطالب المحتاج لأبي الحسن المالكي ج 2 ص 281/ الفواكه الدواني على رسالة ابن زيد القيرواني لأحمد بن غنيم النفراوي ج 2 ص 169 (طبعة دار الفكر بيروت 1995 م)

و قد ذكر المالكية العديد من الأدلة على وضع الجوائح من السنة النبوية الشريفة والآثار، وهذه الأدلة هي:

  • ما جاء في صحيح مسلم عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح) مسلم: صحيح مسلم، ج3، ص1191، حديث رقم (1554)، كتاب المساقاة: باب وضع الجوائح.
  • وما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بما تأخذ مال أخيك بغير حق) مسلم: صحيح مسلم، ج3، ص1191، حديث رقم (1554)، كتاب المساقاة: باب وضع الجوائح.

عن ملكية بريس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *