الرئيسية » سليدر » “مدى مساهمة فيروس كورونا في إنهاء العلاقة الشغلية” إعداد الدكتورة أمينة رضوان باحثة في العلوم القانونية
IMG-20200227-WA0007

“مدى مساهمة فيروس كورونا في إنهاء العلاقة الشغلية” إعداد الدكتورة أمينة رضوان باحثة في العلوم القانونية

 

عرف قانون الشغل تطورا ملحوظا  باختلاف العصور، حيث لم تكن هناك قواعد منظمة لقانون الشغل في العصر القديم، وأخذت قواعده تظهر على شكل أنظمة إقطاعية في الزراعة وأنظمة الطوائف الحرفية في الصناعة خلال العصر الوسيط، و تم الاعلان عن مبادئ الحرية و المساواة التي انعكست على الواقع الاجتماعي و الاقتصادي و التي تولد منها مبدأي “سلطان الارادة و حرية العمل” في العصر الحديث.

ويعتبر قانون الشغل من أهم فروع القانون الخاص على الاطلاق، ويعرف بأنه مجموعة من القواعد القانونية المطبقة على العلاقات الفردية و الجماعية الناشئة بين المؤاجرين الخصوصيين من جهة و من يشتغلون تحت سلطتهم و إشرافهم من جهة أخرى بسبب الشغل و كذا القواعد التي تحكم الضمان الاجتماعي(1).

وقد أحاط المشرع عقد الشغل بمجموعة من الضمانات عند انتهائه، حيث لا يمكن لطرفي العلاقة الشغلية إنهاؤه إلا وفق مبررات معينة مبنية على شكليات خاصة. نذكر منها حالة القوة القاهرة، كسبب مبرر لانقضاء العلاقة الشغلية.

فما مدى انطباق حالة القوة القاهرة على فيروس كورونا ؟

وما هو تأثير فيروس كورونا على عقود الشغل الجارية؟

وذلك وفق مطلبين كالآتي:

 

المطلب الأول

مدى انطباق حالة القوة القاهرة على فيروس كورونا

نسعى من خلال هاته الدراسة إلى استجلاء الأحكام العامة المتعلقة بالقوة القاهرة كأحد أهم أسباب انتفاء المسؤولية بنوعيها، سواء منها المسؤولية العقدية أوالمسؤولية التقصيرية،(أولا) لنعرج إلى مدى اعتبار فيروس كورونا ضمن حالات القوة القاهرة (ثانيا).

أولا: الأحكام العامة لنظرية القوة القاهرة

1/ مفهوم  نظرية القوة القاهرة.

عرف الفصل 269 من قانون الالتزامات و العقود القوة القاهرة بأنها :

“كل أمر لا يستطيع الانسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية (الفيضانات و الجفاف، والعواصف والحرائق و الجراد) و غارات العدو و فعل السلطة، و يكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا.

ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه.

وكذلك لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة السبب الذي ينتج عن خطأ سابق للمدين”

وعرف الفقيه الروماني ulpien (2) القوة القاهرة ، بأنها: ” كل ما لم يكن في وسع الإدراك الآدمي أن يتوقعه، وإذا أمكن توقعه فإنه لا يمكن مقاومته”

وجاء في قرار للمجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا)، أن القوة القاهرة هي “كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا، ولا يعتبر المرض من القوة القاهرة، ويجب إعلام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتوقف عن العمل خلال 15 يوما الموالية للتوقف (3)

2/ شروط القوة القاهرة

حسب نص الفصل 269 من قانون الالتزامات و العقود يمكن ان نستخرج الشروط التالية لقيام حالة القوة القاهرة:

– شرط أن يكون الحادث غير ممكن توقعه، ومفهوم التوقع،  يعني ألاّ يخطر في الحسبان حصول مثله عند وقوع الفعل الضار(4)  و عليه لا يعتبر قوة قاهرة ما كان يمكن توقعه من إجراءات تشريعية كمنع تصدير سلعة، ولا ما يصح في حدود المألوف وقوعه كالمطر في فصل الشتاء، و إنما يعتبر قوة قاهرة ما لا يمكن في حدود المألوف توقعه كالفيضان الشاذ في نهر معد للملاحة (5)  . ومعيار عدم التوقع فهو معيار موضوعي، يعتمد تقديره على مقياس الرجل العادي الحريص وليس الرجل شديد الفطنة والذكاء.

شرط استحالة دفع الضرر الناشئ عن القوة القاهرة: ومعناه عدم القدرة على الدفع، وكذلك معيار استحالة الدفع. ومعيار عدم القدرة على الدفع يعني أن يكون مستحيل الدفع والمقاومة، أي لا يكون في طاقة المدين دفع وقوعه ولا تلافيه، ولا التغلب على نتائج الحادث عقب وقوعه، فلا يستطيع المدين التخلص من تلك النتائج (6)

شرط  ألاّ يكون للمدين دخل في إثارة القوة القاهرة: و يعني هذا الشرط ألا تكون لإرادة المدين اي دخل في إثارة القوة القاهرة، سواء بفعله أو مشاركته أو مساهمته، أن يتمتع بمقتضيات الفصل 268 من قانون الالتزامات و العقود .

شرط الخارجية: و معنى الشرط أن تكون القوة القاهرة ذات مصدر أجنبي عن المدين، و هو الشرط الذي نادى به الفقهاء لهذا يسمى بالشرط الذي جاء به الفقه  أو الشرط الفقهي.

   ومن هنا نتساءل هل يدخل فيروس كورونا المستجد ضمن حالات القوة القاهرة؟

ثانيا: مدى اعتبار فيروس كورونا ضمن حالات القوة القاهرة

بإعمال الشروط المقول بها أعلاه على حالة فيروس كورونا(كوفيد 19) التي يمر منها العالم الآن، يتضح أن “كورونا” هو فيروس غير متوقع، حيث يعتبر هذا الفيروس حسب منظمة الصحة العالمية، فصيلة كبيرة من الفيروسات التي قد تسبب المرض للإنسان والحيوان معا، وهو يسبب لدى البشر حالات عدوى الجهاز التنفسي التي تتراوح حدتها بين نزلات البرد المعروفة إلى الأمراض الأشد وخامة مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة وهي التي تعرف ب”السارس”(7)  ، و هو مرض معد لم يكن هناك أي علم بوجوده، كما أنه يستحيل دفع الضرر عنه في هاته الأيام العصيبة التي يمر منها العالم، و ليس للمدين دخل في إثارته، كما أنه ذات مصدر أجنبي عن المدين عموما.

وقد أعلنت جلّ دول العالم عم فرض “حالة الطوارئ” الصحية في البلاد بسبب القوة القاهرة التي سبّبها تفشي فيروس كورونا القاتل.

ولخطورة هذا الفيروس صدر في المغرب مرسوم بقانون رقم 2.20.292  صادر بتاريخ 28 من رجب 1441 (23 مارس 2020) يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية و اجراءات الاعلان عنها، و مرسوم رقم 2.20.293  صادر بتاريخ 29 من رجب 1441 (24 مارس 2020) بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني المغربي لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” (8) .

وبذلك أعلنت وزارة الداخلية المغربية، في بلاغ رسمي مساء اليوم الخميس 19/03/2020، عن فرض “حالة الطوارئ” الصحية في البلاد، وفرض حظر التجول ، للحد من تفشي “فيروس كورونا”، من 20/03/2020  إلى 20 أبريل 2020 في الساعة السادسة مساء.

جاء في البلاغ:

” حفاظا على صحة وسلامة المجتمع المغربي، وفي سياق التحلي بحس المسؤولية وروح التضامن الوطني، وبعد تسجيل بعض التطورات بشأن إصابة مواطنين غير وافدين من الخارج بفيروس “كورونا المستجد”، تقرر إعلان “حالة الطوارئ الصحية” وتقييد الحركة في البلاد ابتداء من يوم الجمعة 20 مارس 2020 على الساعة السادسة مساء لأجل غير مسمى، كوسيلة لا محيد عنها لإبقاء هذا الفيروس تحت السيطرة.

حالة الطوارئ الصحية لا تعني وقف عجلة الاقتصاد، ولكن اتخاذ تدابير استثنائية تستوجب الحد من حركة المواطنين، من خلال اشتراط مغادرة مقرات السكن باستصدار وثيقة رسمية لدى رجال وأعوان السلطة، وفق الحالات التي تم تحديدها كما يلي:

– التنقل للعمل بالنسبة للإدارات والمؤسسات المفتوحة، بما فيها الشركات والمصانع والأشغال الفلاحية، المحلات والفضاءات التجارية ذات الارتباط بالمعيش اليومي للمواطن، الصيدليات، القطاع البنكي والمصرفي، محطات التزود بالوقود، المصحات والعيادات الطبية، وكالات شركات الاتصالات، المهن الحرة الضرورية، ومحلات بيع مواد التنظيف. وفي هذا الصدد، فإن التنقل يقتصر على الأشخاص الضروري تواجدهم بمقرات العمل، شريطة أن يتم تسليمهم شهادة بذلك موقعة ومختومة من طرف رؤساءهم في العمل.

– التنقل من أجل اقتناء المشتريات الضرورية للمعيش اليومي في محيط مقر سكنى المعني بالأمر، أو تلقي العلاجات الضرورية أو اقتناء الأدوية من الصيدليات.

يتعين على كل مواطنة ومواطن التقيد وجوبا بهذه الإجراءات الإجبارية، تحت طائلة توقيع العقوبات المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي.

وستسهر السلطات المحلية والقوات العمومية، من أمن وطني ودرك ملكي وقوات مساعدة، على تفعيل إجراءات المراقبة، بكل حزم ومسؤولية، في حق أي شخص يتواجد بالشارع العام.

وإيمانا بضرورة تظافر جهود الجميع، وجب التأكيد على مسؤولية كل مواطن لحماية أسرته وحماية مجتمعه، من خلال الحرص على التزام الجميع بالتدابير الاحترازية والوقائية وقواعد النظافة العامة لمحاصرة وتطويق الفيروس.

وإذ تؤكد السلطات العمومية أن كل الوسائل متوفرة لضمان إنجاح تنزيل هذه القرارات، فإنها تطمئن المواطن من جديد على أنها اتخذت كل الإجراءات للحفاظ على مستويات التموين بالشكل الكافي، من مواد غذائية وأدوية وجميع المواد الحيوية والمتطلبات التي تحتاجها الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين”.(9)

وصفوة القول فإنه بتوافر شروط القوة القاهرة يكون الالتزام مستحيل التنفيذ ويعفي المدين من تنفيذ الالتزام الذي إلتزم به.

ويتضح من خلال ما تم شرحه أعلاه ان فيروس كورونا تتحقق فيه شروط القوة القاهرة التي بسطناها أعلاه. فما هو تأثير فيروس كورونا على عقود الشغل الجارية؟

المطلب الثاني

مدى تأثير فيروس كورونا على عقود الشغل الجارية

من المبادئ المتعارف عليها دوليا بالنسبة للقوانين الوضعية أن كل قانون ينفرد بأحكامه التي تنظمه، ولمّا كان الأمر كذلك فإننا سنبحث في أحكام القوة القاهرة التي تهم انتهاء العلاقة الشغلية بفعل فيروس كورونا في القانون رقم 65/99 بمثابة مدونة الشغل المغربية و ظهير 28 جمادى 2 سنة 1337 هـ الموافق ل31 مارس 1919م بمثابة مدونة التجارة البحرية كما وقع تغييرها وتتميمها .

لقد حدد المشرع في الفرع الثاني من الباب الخامس من القسم الاول من الكتاب الاول من مدونة الشغل كيفيات انهاء عقد الشغل ، ونص في الفقرة الثانية من المادة 33 من مدونة الشغل ، على مايلي: “يستوجب قيام أحد الطرفين بإنهاء عقد الشغل المحدد المدة، قبل حلول أجله، تعويضا للطرف الآخر، مالم يكن الانهاء مبررا، بصدور خطإ جسيم عن الطرف الآخر، أوناشئا عن قوة قاهرة”

وبتحليل لهذه الفقرة يتضح أن الأمر بتعلق بعقد الشغل محدد المدة الذي  ينتهي قبل حلول مدته أوأجله والذي لا يستوجب أي تعويض للطرف الآخر سواء كان أجير أو مشغلا، إذا تعلق الأمر بالقوة القاهرة التي لا يد لأي طرف من طرفي العقد فيها. فهنا مثلا اذا اصيب اجير لا قدّر الله بفيروس كورونا وكان عقد عمله محدد بمدة معينة فإن عقد الشغل ينتهي حتما ودون إلزام المشغل بأي تعويض من جانبه. و هو ما تعضضه الفقرة الاخيرة من المادة 43  من مدونة الشغل التي تنص على اعفاء المشغل و الأجير من وجوب التقيد بأجل الاخطار في حالة القوة القاهرة جاء في المادة ” يعفى المشغل و الاجير من وجوب التقيد بآجال الاخطار، في حالة القوة القاهرة .”

والسؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: هل تدخل الظروف الطارئة الخارجة عن ارادة الانسان ضمن حالات القوة القاهرة؟

في هذا الصدد نص المشرع في الفقرة الثانية من المادة 185 من مدونة الشغل انه”.. يمكن للمشغل بعد استشارة مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم، أن يقلص من مدة الشغل العادية و لفترة متصلة أو منفصلة لا تتجاوز ستين يوما في السنة، وذلك عند حدوث أزمة اقتصادية عابرة لمقاولته أو لظروف طارئة خارجة عن ارادته”

ونرى أنه يمكن اعتبار الظروف الطارئة عن إرادة المشغل ضمن حالات القوة القاهرة، مادام أن هذه الظروف غير متوقعة، و لا يد للمشغل فيها، و يستحيل لهذا الاخير دفع الضرر الناشئ عنها.

كما ان السؤال الذي يطرح كذلك هو :هل يمكن ان يتوقف مؤقتا عقد الشغل بسبب وباء كورونا اعمالا طبعا لنظرية القوة القاهرة؟

في هذا الصدد لم تعتبر المادة 32 من مدونة الشغل القوة القاهرة ضمن أسباب التوقف المؤقت لعقد الشغل.

لكن ماذا لو قرر المشغل إغلاق المقاولة مؤقتا بسبب فيروس كورونا بدل حل العلاقة الشغلية؟

في هذا الصدد  نطبق مبدأ نسبية النظام العام في قانون الشغل و الذي يمكن مخالفته مادام فيه مصلحة للأجراء، و هو توقيف المقاولة أو المؤسسة الشغلية مؤقتا بدل حل او إنهاء العلاقة الشغلية بسبب فيروس كورونا القاتل. و تعتبر مدة التوقف المؤقت لعقد الشغل بمثابة مدد شغل فعلي، جاء في الفقرة الرابعة من المادة 54 من مدونة الشغل”4/مدة  توقف عقد الشغل ، لا سيما أثناء التغيب المأذون به، او بسبب المرض غير الناتج عن حادثة الشغل او المرض المهني، أو بسبب اغلاق المقاولة مؤقتا بموجب قرار اداري، أوبفعل قوة قاهرة.”  وهو ما زكته الفقرة الأخيرة من المادة 352 من مدونة الشغل التي اعتبرت الاغلاق المؤقت للمقاولة بسبب القوة القاهرة فترات شغل فعلي لا يمكن إسقاطها من مدة الشغل المعتد بها لتخويل علاوة الأقدمية.

كما تراعى فترات التغيب بسبب القوة القاهرة عند احتساب مدة العطلة السنوية المؤدى عنها و في هذا الصدد نصت الفقرة الاخيرة من المادة 239 من مدونة الشغل، جاء في المادة المذكورة أعلاه” يجب عند احتساب مدة العطلة السنوية المؤدى عنها، اعتبار الفترات المذكورة أسفله بمثابة فترات شغل فعلي، لا يمكن اسقاطها من مدة العطلة السنوية المؤدى عنها:

….

  • الفترات التي يكون فيها عقد الشغل موقوفا، وذلك في الحالات المنصوص عليها في الفقرات 1 و 2و 3 و 4 و 5 من المادة 32 أو بسبب التعطل عن الشغل، أو بسبب التغيبات المرخص بها مالم تتعد مدتها عشرة أيام في السنة، أو بسبب إغلاق المؤسسة مؤقتا بمقتضى حكم قضائي أو قرار اداري أ أو قوة قاهرة.”

وفي المقابل يعفى الأجير من إشعار مشغله خلال الثماني و الأربعين ساعة الموالية لإصابته بمرض أو تعرضه لحادث اذا حالت قوة قاهرة دون ذلك.(أنظر في ذلك الفقرة الاولى من المادة 271 من مدونة الشغل)

وبطبيعة الحال إذا زال ظرف القوة القاهرة و هنا  نقصد زوال فيروس كورونا، فإن تشريع الشغل بمقتضى المادة 175 من مدونة الشغل يبيح للمشغل تشغيل جميع أصناف الأجراء بما فيهم  هؤلاء المطبق عليهم الاستثناء و هم النساء و الأطفال، لمواجهة بطالة ناتجة عن قوة قاهرة أو توقف عارض لا يكتسي طابعا دوريا، في حدود ما ضاع من أيام الشغل، شرط أن يشعر مسبقا بذلك العون المكلف بتفتيش الشغل، وإن كان يمنع العمل بهذا الاستثناء أكثر من اثنتي عشرة ليلة في السنة إلا بإذن من العون المكلف بتفتيش الشغل.

وتجدر الإشارة إلى أن قانون التجارة البحرية حدد المبررات المشروعة لانتهاء عقد الشغل البحري في الحالات التالية:

الحالة الأولى : وفاة البحار،

الحالة الثانية: انقطاع السفر بإرادة غير إرادة الأطراف،

الحالة الثالثة: تسريح البحار بعذر مقبول،

 الحالة الرابعة : حدوث القوة القاهرة

وبهذا تكون حالة توفر القوة القاهرة ضمن حالات إنهاء علاقة الشغل بصفة مبررة و مشروعة.

وفي هذه الحالة يميز بين فرضيتين:

الفرضية الأولى: حدوث القوة القاهرة قبل الشروع في السفر.

إذا حالت قوة قاهرة دون القيام بالسفر، فإنه لا يمنح للبحارة أي تعويض، غير أنهم يتسلمون أجرة الأيام التي اشتغلوا أثناءها في الباخرة سواء كانوا يتقاضون أجورهم شهريا أو عن مدة السفر (أنظر الفصل 203  من قانون التجارة البحرية)

الفرضية الثانية: حدوث القوة القاهرة بعد الشروع في السفر.

إذا وقع الشروع في السفر ثم أصبح من المستحيل متابعته من جراء قوة قاهرة، فإن البحارة المتقاضين أجورهم شهريا أو عن مدة السفر تدفع لهم أجرة يحسب مبلغها إلى يوم انقطاعهم عن الخدمة.

وبالنسبة لأولئك الذين يتسلمون أجورهم من الأرباح أو من ثمن النقل فإنهم يقبضون نصيبهم من الأرباح أومن ثمن النقل المحصل عليه أثناء المرحلة التي قطعتها الباخرة في السفر.

غير أنه إذا وقع غنم الباخرة أو غرقت أو صرح بعدم إمكانها متابعة السير، فيجوز للمحاكم إما إلغاء أجور البحارة أو التخفيض منها، متى ثبت أن ضياع الباخرة قد نتج عن خطأ البحارة أو عن تهاونهم أو عن عدم بذلهم جهد المستطاع لتخليص الباخرة والمسافرين والسلع أو لإنقاذ ما بقي من الباخرة (أنظر الفصل 204  من قانون التجارة البحرية).

وإذا منحت التعويضات لصاحب الباخرة على يد الحكومات أو السلطات الإدارية
أو القضائية في مقابل ما لحقه من الأضرار فإن قسطا من تلك التعويضات يخصص للبحارة الذين طبقت في حقهم الأحكام أعلاه والذين لم يتسلموا كافة الأجرة التي كانوا يستحقونها عن مدة السفر المظنونة (أنظر الفصل 204  من قانون التجارة البحرية).

وفي الختام فإن علاقة الشغل تعتبر من أهم العلائق التي نظمها المشرع وخصها بالقانون رقم 65/99 بمثابة مدونة الشغل المغربية، و لأهميتها فقد استفاض في حصر حالات إنهائها أو انتهائها، و لا شك أن حالة القوة القاهرة تشكل أهم حالات إنهاء عقود الشغل الجارية و بدون أية تعويضات.  و هو ما سوف يترتب عنه مآسي اجتماعية خاصة بالنسبة للأسر المتوسطة و الفقيرة التي تعيش على نفقة أبنائها الأجراء.  و هو ما سيطرح بحدة على نظر المحاكم  التي سيكون لها النظر في تكييف هذا النوع من الانهاء: هل يدخل إنهاء عقد الشغل بسبب فيروس كورونا ضمن حالات القوة القاهرة أم لا ؟ ثم ما هو دور الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في التكفل بأجور الأجراء في هذا الوضع الذي فرض بسبب حالة الطوارئ الصحية وإحداث صندوق خاص لمحاربة جائحة كورونا؟.

هذا ما سوف نقف عليه في الشهور القادمة إن شاء الله تعالى.

نسأل الله رفع البلاء عن بلدنا المغرب و باقي بلدان العالم. و السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته.

وحرّر بالدار البيضاء يوم الثلاثاء 24 مارس 2020.

 

 

الهوامش:

(1) الأستاذ بلعيد كرومي. محاضرات ألقيت على طلبة دبلوم الدراسات العليا المعقة في القانون الخاص. وحدة قانون الشغل والتحولات الاقتصادية و الاجتماعية . السنة الجامعية 2006/2007.

 (2) الاستاذ حسين عامر وعبد الرحيم عامر. المسؤولية المدنية التقصيرية العقدية. ط 2. دار المعارف. القاهرة. 1979. ص 391.

(3) قرار صادر بتاريخ 15/01/2008، أورده محمد بفقير. قانون الالتزامات والعقود والعمل القضائي المغربي، قانون الالتزامات والعقود مع آخر التعديلات. ط 2010. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. ص 169.

(4) الاستاذة فريدة اليرموكي “علاقة السببية في مجال المسؤولية التقصيرية بين رأي الفقه وموقف القضاء-دراسة مقارنة-“الطبعة الأولى 1430-2009.ص 252

   (5) الاستاذان حسين عامر وعبد الرحيم عامر. المسؤولية المدنية التقصيرية العقدية. ط 2. دار المعارف. القاهرة. 1979 .ص 392

    (6) حسين عامر وعبد الرحيم عامر .م س.ص 394

(7) أنظر الموقع: https://www.who.int/csr/disease/coronavirus_infections/case_definition/ar/

(8) مرسومين صادرين بالجريدة الرسمية السنة التاسعة بعد المائة عدد 6867 مكرر بتاريخ 29 رجب 1441 (24 مارس 2020)

(9) أنظر الموقع:

https://www.elbotola.com/article/2020-03-19-20-40-650.html

عن ملكية بريس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *